فصل: (باب ما يفسد الماء من الاستعمال وما لا يفسده)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة: أحكام الماء الجاري]

وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة: ففيه ثلاث مسائل:
الأولى: إذا كانت النجاسة تجري مع الماء بجرية لا تنفك عنه، فإن الماء الذي قبل النجاسة طاهر؛ لأنه لم يصل إلى النجاسة، والماء الذي بعد النجاسة طاهر أيضًا؛ لأن النجاسة لم تصل إليه.
وأما الجرية التي فيها النجاسة - وهي ما بين حافتي النهر في العرض عن يمينها وشمالها مما يحيط بها -: فإن كان متغيرًا بالنجاسة.. فهو نجس، قليلًا كان أو كثيرًا لتغيره بالنجاسة.
وإن كان غير متغير بها، فإن كان الماء قلتين، أو أكثر.. فهو طاهر كالراكد، هكذا نقل أصحابنا البغداديون، وقال الخراسانيون: هي على قولين:
أحدهما: أنه طاهر.
والثاني: أنه نجس.
والفرق بين الراكد والجاري في أحد القولين: أن الراكد يتراد بعضه على بعض، فيدفع النجاسة عن نفسه عند الكثرة، والجاري لا يتراد بعضه على بعض، فلم يكن للكثرة حكم، والأول هو المشهور، وعليه التفريع.
وإن كانت الجرية أقل من قلتين.. ففيه قولان، حكاهما ابن القاص، والقاضي أبو الطيب:
أحدهما: قال في القديم: (هو طاهر؛ لأنه ماء وارد على النجاسة، فلم ينجس من غير تغيير، كالماء المزال به النجاسة).
والثاني: قال في الجديد: (هو نجس، وهو الأصح؛ لأنه ماء قليل لاقى نجاسة لا حاجة إلى ملاقاته لها، فحكم بنجاسته كالراكد). وفيه احتراز من الماء المزال به النجاسة.
المسألة الثانية: إذا كانت النجاسة واقفة، والماء يجري عليها.. فالماء الذي قبل النجاسة طاهر، والماء الذي بعد النجاسة مما لم يمر على النجاسة طاهر أيضًا؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
وأما الجرية التي فوق النجاسة: فإن كانت متغيرة بالنجاسة.. فهي نجسة.
وإن كانت غير متغيرة، فإن كان الماء قلتين فأكثر.. فهو طاهر قولًا واحدًا، على طريقة البغداديين، وعلى طريقة الخراسانيين على قولين.
وإن كان الماء أقل من قلتين.. فعلى القولين اللذين حكاهما ابن القاص والقاضي أبو الطيب.
فإن كانت الجرية أقل من قلتين وقلنا: إنها نجسة، لم تطهر حتى تركد في موضع وتبلغ قلتين.
قال ابن سريج: فإن مرت هذه الجرية على ماء راكد، وكانت الجرية كدرة، والراكد صافيًا، فبلغا قلتين، كان الجميع طاهرًا؛ لأن الاعتبار باجتماع الماء الكثير في موضع واحد، ولا اعتبار باختلاطه بحيث لا يتميز.
فإن تباعد رجل عن موضع النجاسة الراكدة، واستعمل من هذه الجرية من ماء قد مر على النجاسة الراكدة قبل أن يبلغ القلتين في عرض النهر؛ إلا أنه يبلغ قلتين بطول النهر من حيث استعمل إلى موضع النجاسة، ففيه وجهان:
أحدهما: قال أبو إسحاق، وابن القاص، والقاضي أبو حامد: يجوز؛ لأن بينه وبين النجاسة قلتين.
والثاني: قال عامة أصحابنا: لا يجوز، وهو الأصح؛ لأنه استعمل من ماء قد مر على النجاسة قبل أن يبلغ قلتين، وكل جرية لها حكم نفسها.
المسألة الثالثة: إذا كان في الماء الجاري موضع منخفض زائل عن سمت الجري، فركد فيه الماء، فوقع في الراكد نجاسة قائمة.. فإن الماء الذي قبل الموضع المنخفض طاهر، وكذلك الماء الجاري بعد الموضع المنخفض قبل وصول ماء النجاسة إليه، طاهر.
وأما الماء الذي في الموضع المنخفض، والجرية التي تجري بجنبه: فإن كانا متغيرين بالنجاسة.. فهما نجسان، وإن كانا غير متغيرين فإن بلغا جميعًا قلتين.. فهما طاهران، وإن كانا دون القلتين.. فهما نجسان، هكذا ذكره جماعة من أصحابنا.
وذكر الشيخ أبو حامد في "التعليق": إذا كان الماء الراكد أقل من قلتين، وفيه نجاسة ولم يتغير.. نظرت في الماء الجاري:
فإن دخل على الراكد وخرج منه من الجانب الآخر، فإن بلغا قلتين.. فهما طاهران وإن كانا دون القلتين.. فهما نجسان.
وإن كان الجاري لا يدخل إلى الراكد، ولكن يجري على سمته، فإن كان الجاري أقل من قلتين.. نجس؛ لأنه ملاصق ماء نجسًا، وإن كان قلتين.. لم ينجس؛ لأنه ماء كثير.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يطهر به ذلك الراكد؛ لأنه يفارقه، وما فارق الشيء.. فليس معه).
وإن كان الراكد متغيرًا بالنجاسة، والجاري بجنبه قلتان غير متغير.. فقد تقدم ذكره عن ابن الصباغ: أن الجرية تنجس ما دامت محاذية للراكد، فإذا انفصلتا عنه.. حكم بطهارتهما.

.[فرع: الجرية إذا كانت قلتين]

إذا كانت الجرية تبلغ قلتين وفيها نجاسة جارية معها، أو كانت النجاسة واقفة والجرية عليها تبلغ قلتين، أو كان في الموضع المنخفض من النهر نجاسة واقفة والراكد فيها مع الجرية بجنبه يبلغ قلتين، وهو غير متغير في ذلك كله.. فقد ذكرنا: أن الماء طاهر في هذه المسائل الثلاثة قولًا واحدًا، على طريقة البغداديين.
فإن أراد أن يستعمل من هذه الجرية، فإن قلنا بقول أبي إسحاق، وابن القاص في الماء الراكد: إنه لا يجوز له أن يستعمل إلا من موضع بينه وبين النجاسة قلتان.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجوز له أن يستعمل من أي موضع شاء، فهاهنا وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد عن أبي العباس:
أحدهما: يجوز أن يستعمل من أي موضع شاء، حتى لو أصاب بيده عين النجاسة، كما قلنا في الماء الراكد.
والثاني: لا يجوز أن يستعمل إلا من موضع بينه وبين النجاسة قلتان في عرض النهر، قال صاحب "الفروع" وهو الأقيس؛ لأن الماء الراكد ماء واحد، فحكم ما بعد من النجاسة حكم ما قرب منها، فلا يمكنه أن يستعمل من شيء لم تحله النجاسة، فلذلك جاز أن يستعمل من أي موضع شاء منه، والماء الجاري ذو أجزاء، فلا يكون حكم ما قرب منها حكم ما بعد.

.[فرع: تغير وصف الماء بالمكث]

إذا تغيرت صفة الماء بالمكث.. لم يكره استعماله.
وقال ابن سيرين: يكره.
دليلنا: أنه تغير من غير شيء خالطه، فلم يكره استعماله، كالبحر.

.[فرع: حلول النجاسة في المائع]

وإن وقعت نجاسة في مائع غير الماء، كاللبن والخل والدهن.. حكم بنجاسته سواء كان قليلًا أو كثيرًا وسواء تغير أو لم يتغير؛ لأنه لا قوة له في دفع النجاسة عن غيره، فلا يدفعها عن نفسه بخلاف الماء. وبالله التوفيق.

.[باب ما يفسد الماء من الاستعمال وما لا يفسده]

الماء المستعمل ضربان: مستعمل في طهارة الحدث، ومستعمل في طهارة النجس.
فالماء المستعمل في طهارة الحدث طاهر عندنا، يجوز شربه واستعماله في غير الطهارة.
وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: كقولنا، والثانية: (أنه نجس).
دليلنا: أنه ماء طاهر لاقى محلًا طاهرًا، فكان طاهرًا كما لو غسل به ثوب طاهر، وهل هو مطهر؟ المنصوص للشافعي: (أنه غير مطهر).
وقال أبو ثور: (توقف الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الماء المستعمل).
وحكى عيسى بن أبان: أن الشافعي قال: (هو طاهر مطهر).
فقال القاضي أبو حامد: المسألة على قولين:
أحدهما: أنه مطهر، وبه قال الحسن البصري، والزهري، والنخعي، وداود؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مسح رأسه بفضل ماء كان في يده»؛ ولأنه ماء يؤدي الغرض، فلا يخرج عن حكمه بتأدية الغرض فيه، كالثوب يصلى به مرارًا.
الثاني: أنه غير مطهر، وهو الصحيح، وبه قال الليث، وأحمد، ومالك، والأوزاعي، وهو المشهور عن أبي حنيفة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يتوضأ أحدكم بفضل وضوء المرأة».
وإذا ثبت أنه لم يرد ما بقى في الإناء.. ثبت أنه أراد ما استعملت. ولأن الصحابة والتابعين - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - ومن بعدهم كانوا يسافرون ويعدمون الماء فيتيممون وما روي عن أحد منهم: أنه توضأ بالماء المستعمل، وقد اختلفوا فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء الطهارة:
فمنهم من قال: لا يجب عليه أن يتوضأ بما معه من الماء، بل يتيمم.
ومنهم من قال: يجب عليه أن يتوضأ بما معه من الماء ثم يتيمم.
ولم يقل أحد منهم: يغسل بما معه من الماء ما قدر عليه من أعضائه إلى إناء، ثم يتم به وضوءه، ولو كان الماء المستعمل في رفع الحدث مطهرًا لقالوا ذلك.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وأنه غير مطهر؛ لأن رواية أبي ثور - أن الشافعي توقف فيه - لا تدل على أنه مطهر عنده، ورواية عيسى بن أبان: لا يعتد بها؛ لأنه رجل مخالف.
قال المحاملي: والأول أصح؛ لأنه ثقة، فقبلت روايته وإن كان مخالفًا.
فإذا قلنا: إنه مطهر.. جاز رفع الحدث به ثانيًا، وجاز إزالة النجس به.
وإذا قلنا: إنه ليس بمطهر.. لم يجز رفع الحدث به ثانيًا، وهل يجوز إزالة النجس به؟ فيه وجهان:
أحدهما: من أصحابنا من قال: يجوز؛ لأن للماء حكمين: رفع حدث، وإزالة نجس، فإذا رفع الحدث.. بقي عليه إزالة النجس.
والثاني: منهم من قال: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأن كل ما لا يجوز رفع الحدث به.. لم يجز إزالة النجس به كالماء النجس.
وقول من قال: له حكمان، غير صحيح؛ لأنه لو كان كما ذكر، لجاز رفع الحدث الأكبر بالماء الذي رفع به الحدث الأصغر؛ لأن له حكمين: رفع حدث أصغر، ورفع حدث أكبر، وقد رفع أحدهما، فبقي عليه الآخر، فلما لم يقل ذلك فيهما، فكذلك هذا مثله.

.[مسألة: الماء المستعمل إذا كثر]

وإن جمع الماء المستعمل في الحدث فبلغ قلتين، وقلنا بالأصح: إنه غير مطهر وعليه التفريع.. فهل يصير هنا مطهرًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن سريج -: إنه يصير مطهرًا كالماء النجس، إذا جمع فبلغ قلتين.
والثاني: أنه لا يصير مطهرًا؛ لأنه لا يقع عليه اسم الماء المطلق، وإنما يسمى ماء مستعملًا، وإن كان كثيرًا بخلاف الماء النجس.

.[فرع: الانغماس في قلتين]

وإن انغمس الجنب في قلتين من الماء بنية الغسل من الجنابة، أو أدخل يده فيه بنية غسلها من الجنابة، ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يصير مستعملًا، ويخرج من جنابته؛ لأن الاستعمال حصل بجميعه، والاستعمال مانع من طريق الحكم، فلا تؤثر فيه الكثرة.
والثاني - وهو الأصح -: أنه يخرج من جنابته ولا يصير الماء مستعملًا؛ لأن حكم النجاسة أقوى من حكم الاستعمال. ولو وقعت فيه نجاسة لم تزل حكمه من غير تغيير، فالاستعمال بذلك أولى.
قلت: ولو أن جنبًا انغمس في البحر بنية الغسل من الجنابة، لم يكن لأحد أن يقول: إنه صار مستعملًا، فكذلك ما دونه مما دخل في حد الكثرة، إذ لا فرق بينهما في الحكم.
وإن أدخل الجنب يده في ماء قليل بنية الاغتراف، لم يصر الماء مستعملًا؛ لأن النية شرط في صحة الغسل عندنا، ولم توجد. وإن أدخلها فيه بنية رفع الجنابة، صار الماء مستعملًا، وخرج من جنابته في اليد، كما لو أفاض الماء عليها بنية غسل الجنابة.
وإن انغمس الجنب في ماء قليل بنية غسل الجنابة.. ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي عبد الله الخضري من أصحابنا -: أن الماء يصير مستعملًا، ولا يخرج من جنابته.
ووجهه: أنه لما لاقى أول جزء من بدنه أول جزء من الماء.. صار الماء مستعملًا بأول الملاقاة، فإذا انغمس فيه.. صار منغمسًا في ماء مستعمل.
والوجه الثاني: أنه يخرج من جنابته، ولا يصير الماء مستعملًا إلا بالانفصال عنه، فلو توضأ منه رجل، أو اغتسل قبل أن ينفصل الأول عنه.. صح، وهو المنصوص.
ووجهه: أنا لو قلنا: إنه يصير مستعملًا بأول ملاقاته لجزء من بدنه.. لوجب أن يصير الماء الذي يفيضه على عضو من أعضاء الطهارة مستعملًا بأول ملاقاته لأول العضو، وهذا لا يقوله أحد.
فعلى هذا: إذا صب الجنب على رأسه ماء، فإن نزل الماء عن رأسه متصلًا على ظهره، أو على عنقه.. أجزأه النازل من رأسه عما مر عليه بعد رأسه.
وإن كان له شعر كثير، فوقع الماء على الشعر، ثم تقاطر من أعلى طبقات الشعر ماء، ومر في الهواء إلى ظهره، أو بطنه.. لم يجزئه عما وقع عليه بعد انفصاله من الرأس في الهواء؛ لأن بنفس الانفصال عنه في الهواء قد صار مستعملًا.

.[فرع: وضوء الحنفي بماء قليل]

وإن توضأ الحنفي بماء قليل.. فهل يصير مستعملًا؟ فيه ثلاثة أوجه، بناء على جواز الائتمام به:
أحدها: إن نوى الطهارة به.. صار مستعملًا؛ لأنه ارتفع به حدثه، وإن لم ينو به الطهارة.. لم يصر مستعملًا؛ كما لو توضأ به الشافعي من غير نية.
والثاني: أنه لا يصير مستعملًا بحال؛ لأنه يتوضأ من غير نية، وإن أتى بالنية.. اعتقدها غير واجبة، فلم يزل الماء عن حكمه.
والثالث: أنه يصير مستعملًا وإن لم ينو الطهارة؛ لأنه يحكم بصحة صلاته، بدليل أنه لا يباح قتله، ولو كانت صلاته غير صحيحة.. لكان بمنزلة من لم يصل، أو بمنزلة من صلى بغير طهارة في إباحة قتله، وهذا لا يقوله أحد.

.[فرع: ماء وضوء الكافر والمرتد]

وإن توضأ الكافر الأصلي، أو المرتد، أو اغتسلا من الجنابة، أو اغتسلت الذمية من غير حيض، ولا نفاس.. فإن الشيخ أبا حامد، والمسعودي [في "الإبانة": ق \ 3] قالا: لا يصير الماء المنفصل عنهم مستعملًا وجهًا واحدًا؛ لأنه لا يجوز لهم تأدية الصلاة بتلك الطهارة.
وإن اغتسلت الذمية من الحيض، أو النفاس.. فهل يصير الماء المنفصل عن أعضائها الطاهرة مستعملًا؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين في وجوب إعادة غسلها بعد إسلامها.

.[فرع: ماء تجديد الطهارة]

وإذا صلى الرجل بطهارة صلاة فرض.. استحب له أن يجدد الطهارة؛ لما روى أنس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوضأ لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر»، وروى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من توضأ على طهر.. كتب الله له به عشر حسنات».
فإذا كان على طهارة، ثم جدد الطهارة ثانيًا.. فهل يصير الماء المجدد به مستعملًا؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال القاضي أبو الطيب، وأبو علي السنجي: إن أدى بالطهارة الأولى صلاة فرض.. استحب له أن يجدد الطهارة ثانيا، وهل يصير الماء المجدد به مستعملًا؟ وجهان:
وإن لم يصل بالأول.. لم يستحب له تجديد الطهارة، وإن جدد.. لم يصر الماء المجدد به مستعملًا وجهًا واحدًا.
فعلى هذا: إن صلى بالأولى صلاة نفل.. فهل يستحب له تجديد الطهارة، ويصير الماء المجدد به مستعملًا؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي.
وقال أكثر أصحابنا: إذا جدد الطهارة.. فهل يصير الماء المجدد به مستعملًا؟ فيه وجهان من غير تفصيل، وكذلك الوجهان في الماء المستعمل، في الدفعة الثانية والثالثة في الطهارة:
أحدهما: يصير مستعملا؛ لأنه ماء استعمله في طهارة، فهو كالدفعة الأولى في الطهارة الأولى.
والثاني: لا يصير ماء مستعملًا؛ لأنه لم يرفع به حدث ولا نجس، فهو كالدفعة الرابعة في الطهارة.
وهكذا الوجهان في الماء المستعمل في كل غسل مستحب، كغسل العيدين، وما أشبههما.
وإن قام من النوم، فغسل كفيه في ماء قليل للطهارة قبل إفاضة الماء عليه.. فهل يصير الماء مستعملًا؟
قال أبو علي في "الإفصاح" فيه وجهان، كالماء المستعمل في نفل الطهارة.
ومنهم من قال: لا يصير مستعملا وجهًا واحدًا؛ لأن غسلهما لخوف النجاسة فيهما.
وإن غسل رأسه مكان مسحه.. فهل يصير مستعملا؟ فيه وجهان، ذكرهما في "الإفصاح".

.[مسألة: الماء المستعمل في إزالة النجاسة]

وأما الماء المستعمل في إزالة النجاسة: فإن انفصل متغيرًا بالنجاسة، فهو نجس، وإن انفصل غير متغير فإن كان لم يحكم بطهارة المحل، كالغسلات الست الأولى من ولوغ الكلب ففيه وجهان:
أحدهما: أنه طاهر؛ لأنه ماء لا يمكن حفظه من النجاسة، فلم ينجس من غير تغيير، كالماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه نجس؛ لأنه لما لم يزل النجاسة عن محلها.. كانت النجاسة غالبة له، ولأن البلل الباقي في المحل نجس، وهو جزء منه، ولهذا لو زيد في العصر، نزل منه من بقيته.
وإن انفصل الماء، وقد طهر المحل، كالغسلة السابعة من ولوغ الكلب.. ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول الأنماطي وأبي حنيفة -: (إنه نجس)؛ لأن النجاسة انتقلت إليه، فوجب أن نحكم بنجاسته.
والثاني - وهو المذهب -: أنه طاهر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في بول الأعرابي: «صبوا عليه ذنوبًا من ماء». ولو كان ما صب عليه ينجس.. لكان قد أمر بزيادة النجاسة في المسجد، ولأنه من جملة البلل الباقي، وهو طاهر، فكذلك ما انفصل عنه، هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي في ["الإبانة": ق \ 8] الماء المزال به النجاسة إذا لم يتغير.. على قولين:
الأول: قال في الجديد: (حكمه حكم المحل بعد الغسل).
والثاني: قال في القديم: (هو طاهر بكل حال ما لم يتغير).
وخرج الأنماطي قولًا ثالثًا، وهو: أن حكمه حكم المحل قبل ورود الماء عليه. فكل موضع قلنا: إنه نجس فلا كلام. وكل موضع قلنا: إنه طاهر هو غير مطهر للنجس ثانيًا، على أصح الطريقين، وهل يكون مطهرًا للحدث؟ على الوجهين في الماء المزال به الحدث، هل يرفع به النجس؟
وإن أصاب الإناء نجاسة من غير الكلب، فغسله أربع مرات، فإن انفصلت الأولى غير متغيرة وقد حكم بطهارة المحل.. فإنها مستعملة وجهًا واحدًا، وهل هي طاهرة، أو نجسة؟ على وجهين، الصحيح: أنها طاهرة.
أما الثانية والثالثة: فهما طاهرتان وجهًا واحدًا، وهل هما مستعملتان؟ فيه وجهان، كالوجهين في الدفعة الثانية والثالثة في رفع الحدث:
أحدهما: أنهما غير مستعملتين، فيجوز إزالة النجاسة بهما ثانيًا؛ لأنه ماء لم يرفع به حدث ولا نجس.
فعلى هذا: يجوز رفع الحدث به أيضًا.
والثاني: أنهما مستعملتان، فلا تجوز إزالة النجاسة بهما؛ لأنه ماء مستعمل في نفل الطهارة في النجس فهو كالمستعمل في فرضها.
فعلى هذا: يجوز رفع الحدث بهما، على الوجهين في الماء المزال به الحدث هل يزال به النجس؟
وأما الدفعة الرابعة: فهي طاهرة مطهرة وجهًا واحدًا؛ لأنها غير واجبة، ولا مستحبة في الغسل. وبالله التوفيق.

.[باب الشك في نجاسة الماء والتحري]

فيه إذا تيقن طهارة الماء أو نجاسته، وشك فيما يضاد ما تيقنه.. فالأصل بقاؤه على ما تيقنه. وإن لم يتيقن طهارته ولا نجاسته.. فهو طاهر؛ لأن الله تعالى خلق الماء طهورًا، والأصل بقاؤه على خلقته.
وإن وجد الماء متغيرًا، ولم يعلم بأي شيء تغير.. توضأ به؛ لجواز أن يكون تغير بطول المكث.
وإن رأى حيوانًا يبول في ماء كثير، ووجده متغيرًا، فإن جوز أن تغيره بالبول.. لم يتوضأ به؛ لأن الظاهر أن التغير من البول. وإن كان الماء كثيرًا، وبول الحيوان قليلًا مما لا يجوز أن يتغير به.. توضأ به؛ لأن ذلك مما لا يتغير به في العادة.

.[مسألة: في ولوغ الهرة بالماء القليل]

وإن ولغت هرة في ماء قليل، فإن لم يرها قبل ذلك أكلت نجاسة.. جاز الوضوء بسؤرها، ولا يكره. وقال أبو حنيفة: (يكره).
دليلنا: ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصغي لها الإناء لتشرب منه، وقال: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات». و (الطوافون): الخدم.
وإن رآها أكلت نجاسة، ثم ولغت في ماء قليل.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تنجسه؛ لأنا تيقنا نجاسة فيها.
والثاني: لا تنجسه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منها.
والثالث: إن غابت، ثم رجعت.. لم تنجسه؛ لجواز طريان الطهارة على فيها. وإن لم تغب.. نجسته؛ لأن الأصل بقاء نجاسة فيها.